‏إظهار الرسائل ذات التسميات Kalthoum. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات Kalthoum. إظهار كافة الرسائل

الجمعة، 30 أغسطس 2013

الأفكار

الموت هو الأصل و الحياة هي الإستثناء ، كلّ ما في الأمر أنّ هذا الإستثناء مليء بأحياء عرضيّين إمّا ماتوا أو سيموتون و هذا ما يجعلها تبدو و كأنّها القاعدة

لا أحد يتحوّل هنا ، الجميع ( لا أستثني نفسي) يقبعون داخل جلودهم البشريّة و يمارسون أدوارهم الإنسانيّة اليوميّة في سجونهم برضى مقزّز يبعث على الغثيان

آه لو كانت لي السّلطة ، لجمعت جميع الكتّاب في منفى واحد و أجبرتهم أن يتناولوا كلّ يوم كميّة هائلة من حبوب الهلوسة كي يرتاحوا من هذا المرض الّذي يسمّى كتابة

كلّ شيء غريب من حولي و لا يستطيع أن يالفني أو آلفه ، أن يشاركني و أشاركه ، غربة لا سحر فيها و لا إغراء ، غربة مليئة بالرّوتين و التّكرار و النّشاز ، غربة غريبة

تقتلك الاحتمالات، و حين يتحقّق احتمال وحيد و تتبخّر البقيّة، تموت أكثر، و تشرع في إعادة بناء الاحتمالات القديمة كقصر من الرّمل ، كقصر هو كلّ ما تملك في الدّنيا

الحبّ هو شيء غريب و مضحك ، أن تبحث عن نفسك الغريبة في شخص آخر أشدّ غربة منها متوهّما بقناعة راسخة أنّك ستعثر على الألفة عنده

ليتني نفس ذاك الصبيّ المراهق الذّي يقتصد من نقود طعامه كي يشتري جميع سيديهات أمّ كلثوم مستسلما لعشقه دون أيّ مقاومة أو تحفّظ

الشّوق هو أن تكون شخصا آخر إضافيّا داخل وحدتك

الاثنين، 13 فبراير 2012

بورتريه

رجل في السّتين أو يزيد من عمره , نحيف , متوسّط الطّول , التقوّس الطّفيف في ظهره  يجعل  كتفيه بارزين قليلا , يلبس معطفا طويلا من القماش  , يمشي بحذر بين زبائن المقهى مثل شبح , يمسح بعناية فائقة الطّاولة الّتي سيضع عليها الطّعام  لاحقا و كأنّه يداعب جسد امرأة , يأتي بصحن فيه طعام , يضعه على الطّاولة .. , يضرب بعصبيّة على الطّاولة بكلتا يديه , يكفر, يزعق, يتّجه نحوي فجأة ثمّ يعود إلى طاولته في سرعة خاطفة , يداه لا تكفّان عن  الحركة , عيناه متوتّرتان , متوجّس , لا يكاد يبدأ في الأكل حتّى  ينقطع عنه , يمشي نحوي مرّة أخرى , ينظر إليّ , يمدّ يده نحو علبة سجائري , يخرج سيجارة , يشيح بنظره إلى الطّاولة الّتي على يميني حيث يجلس بعض الزّبائن , يغمز لي , يبدأ في الحديث و كأنّه على خشبة مسرح : التوّنسي عندما يدخّن يفعل هكذا ( و يرفع يديه بحيث يرى الجميع السّيجارة الّتي في يده) , التّونسي عندما يأكل يفعل هكذا ,و يرفع صحن الطّعام إلى الأعلى حتّى يراه الجميع .. يقرّر أن يجالسني , يجالسني دون أن أمانع , يبدأ في الزّعيق  ثانية , يضرب على طاولتي بعصبيّة فائقة  , يقوم فجأة باتّجاه أحد المتسوّلين الدّاخل لتوّه إلى المقهى , يشتمه يكاد يلكمه ثمّ يطرده .. يعود لمجالستي .. أطلب منه أن يهدّئ من روعه ... يتجاهلني .. يقول إنّه يريد أن يضرم النّار في جميع التّونسيّين و إنّه يحقد عليهم و إنّهم مثل كلّ العرب ساقطون و  متحيّلون و أنذال و لئيمون و جرذان و لا يساوون فلسا على عكس "القورّة " المتخلقين و الأذكياء  ...  يشتم صاحب المقهى تحديدا لأنّه طلب منه مقابل الطّعام فيما هو يعرف  أنّه  من المحتاجين .. يخبرني أنّه يحبّ أم كلثوم أكثر من أمّه و أنّ أمّه لم تكن يوما كوكب الشّرق .. يثني على ابن خلدون في قوله "بنفاق أهل إفريقيّة" ,يعرّفني بنفسه قائلا  إنّه رجل  يفهم النّاس وفق علم الاجتماع و علم النّفس و الأعصاب و الفلسفة  و البيوكيميا و الهندسة و علم المعمار .. أبتسم و أطلب منه  أن يهدّئ من روعه وأن يستمتع يالأكل عوض أن ينشغل بما يوتّره ... ينهرني  ويصيح في وجهي بزعيق و شتيمة  طالبا منّي الصّمت و الاستماع إليه دون مقاطعته ... يقول إنّه رجل عظيم و إنّه لا يحبّ الاستماع إلّا إلى  العظماء و لذلك عليّ أن أصمت و أكتفي بالإنصات , أحاول تهدئته مرّة أخرى فيأبى , أبتسم و أهم بالخروج متمنّيا له يوما طيّبا ... يسألني عن إسمي و مسقط رأسي ... أجيبه .. يقول إنّ تسعين بالمائة من سكّان مسقط رأسي مغفّلون و متحجّرو العقول و إنّني – و لسبب أجهله – أنتمي إلى العشرة بالمائة  المتبقية  من  "الأذكياء " ... أبتسم حتّى الضحك  .. لا أنبس بحرف واحد , أغادر و أنا  أحسّ للوهلة الأولى  بالغيظ و الشّفقة , ثمّ , سريعا , بالخوف , متسائلا  عن مقدار  العبث الّذي يمكن أن تحمله الحياة كي تصنع بالنّاس ما تصنعه , هؤلاء النّاس الّذين كانوا ,جميعم , يوما ما أطفالا تماما مثلما كنت - أو ربّما  أتوهّم أنّني لا أزال - طفلا ...