السبت، 19 مايو 2012

تواضع المثقّف أم استقالة المتلقّي

"أن أفكّر هو أن أقول "لا".. قد تتحوّل هذه "اللّا" فيما بعد إلى نعم ، ولكنّ هذه ال"نّعم" ستكون "نعم" أخرى، "نعم" جذورها "اللّا" .. في البداية إذن: لا ..لا  لإطلاق صفة التّواضع على الأشخاص "المهمّين" الّذين تلتقيهم ، مهما كان شأنهم. لا ..
 إنّها صفة تضعك مباشرة في ميزان تفاضليّ و تفرض عليك علاقة مغلقة سقفها هو إعجابك بهذا الآخر و كأنّك لا تنتظر شيئا سوى ذلك الإحساس السّاذج ب"قيمتك" عن طريقه و كأنّك تتسوّل نرجسيّتك منه أو بوساطته وكأنّك تنتشي باستغراب و شكّ يتراوح بين التّصديق و عدمه مردّدا داخلك :" كيف  لهذا الشّخص رفيع الشّأن ،أن يهتمّ بي أنا قليله ؟ كيف لهذا الشّخص ذي القدر العالي أن يعير اهتماما لهذا الشّخص "الهامشيّ" الّذي هو أنا؟ إنّه من دون شكّ شخص متواضع" ...

 ليست دوافع الرّفض، رفض نعت التّواضع، دوافع  نرجسيّة ،مثلما قد يبدو. على الإطلاق . إنّها دوافع أخلاقيّة ، لأنّ الانفتاح "الندّيّ" على العالم، بما يحتويه من موجودات و أفكار، واجب أخلاقيّ. أقصد الأخلاق في معناها "الوجودي" إن صحّ التّعبير أي أخلاق المسؤوليّة و المساءلة و الجدل و المشاركة . الاحترام؟ طبعا في إطار الاحترام و الحياء. من الآخر؟ مؤكّد ، ولكن ، من الأنا أيضا،  من دون شكّ ، و بنفس المقدار. فالحدود المختارة و الواعية الّتي نرسمها طوعا في علاقتنا بالآخرين  ،شيء ، و العوائق الإجباريّة الّتي يرسمها  "احتباسنا" في غالبيّة الأحيان ، شيء آخر .أعتقد  أنّ سمة  الأفقيّة في العلاقات الإنسانيّة هي الّتي تجعل الإنسان حرّا حين تعتقه من الانحباس داخل فكرة  "الفوق و التّحت" وذلك ما يجعلها أكثر ثراء و خصوبة،  فالرؤية ضمن العلاقة الأفقيّة ، تكون أكثر اتّساعا و شسوعا من الرّؤية داخل المسافة العموديّة المزعومة و الضّيقة التّي تفصلنا عن بعضنا البعض عندما تندرج العلاقة في نسقها العموديّ و التّفاضليّ و هذا بغضّ النّظر عن "حجم" النّاس لأنّ هؤلاء النّاس ليسوا أكياسا  مغلقة تتدلّى في الفضاء ثمّ تنزل من حين إلى آخر إلى الأرض، هم بشر أوّلا ولكنّهم أيضا جزء من هذ العالم  المدهش دهشة نحن شركاء  في صنعها  بحواسّنا و أفكارنا و ليس بانبهارنا الميّت . من المؤكّد ، من زاوية انطباعيّة على الأقلّ ، أن هناك من يبدو ( أو من هو فعلا) "أثرى" من الآخر ،  "أكثر" تجربة ،  "أكثر" معرفة  ، و لكنّ هذا الثّراء و هذه التّجربة و هذه المعرفة وكلّ هذه الصّفات  ليست الشّخص ذاته ، هو يحملها و لكنّها ليست هو. إنّها مكتسبات ، عبر التّجربة الإنسانيّة في معناها الجمعي و الكوني. لا أسعى هنا إلى تجريد الأشخاص الأثرياء في تجاربهم و معارفهم من صفاتهم ، بل  إلى أن أغيّر زاوية النّظر إليهم: إنّهم موازون لصفاتهم ، هم ليسوا لا أكبر و لا أصغر ، لا متواضعين و لا متكبّرين ، هم أصدقاء الخصوبة  الإنسانيّة العامةّ ،هم أصدقاء الوجود الفسيح و محاربو  القحط ذلك العدوّ الانسانيّ المشترك. وعلاقتنا معهم أو بالأحرى مع  إنتاجاتهم و إبداعاتهم تندرج على الأرجح وفق هذه الزّاوية . باختصار ، نحن كلّنا عوالم مفتوحة على بعضها البعض. النّافذة تفتح على الأفق، و الأفق يفتح على النّافذة حتّى و إن كانت مغلقة، الجرح الصّغير في الإصبع يفتح على الهواء المطلق، ليست المسألة مسألة حجم،  فالنّافذة ندّ للأفق لأنّهما  مفتوحان على بعضهما البعض.

    أنا أفضّل ، في حالة الإجبار القصوى على الوصف (و هنا عليّ أن أبتسم قليلا) نعوتا مفتوحة ، أفقيّة لا تضعنا في ميزان تفاضليّ مباشر ، نعوتا مثل :  كريم ، خصب ، ثريّ .. هذه النّعوت تلامس الشّخص دون أن تلتصق به ، كما أنّها لا تحتوي على التباسات نرجسيّة...فعندما أقول فلان كريم مثلا، أستطيع أن أقول في سرّي: مثلي ، كريم مثلي.. كما أستطيع ألّا أقول "مثلي" دون أن يتغيّر المعنى ، فصفة الكرم ، صفة حرّة توجد خارج موصوفها و تكاد تكون مشاعة، كما يمكن ألّا يكون ذلك الفلان في لحظة كرم أو في حالة كرم حينها، فلا يغيّر ذلك أيضا شيئا كبيرا لأنّني و بكلّ بساطة أستطيع أن أدير جوعي و عطشي للمعرفة إلى أماكن أخرى  مفتوحة من العالم، إلى أماكن أخرى في حالة كرم، يكفي أن أفتح عينيّ بالقدر الكافي . أمّا عندما أقول فلان متواضع ، حتّى و إن ردّدت في سرّي : "مثلي، متواضع مثلي" ، فإنّ ذلك يغلق أفق التّواصل ويجعل العلاقة تراتبيّة وميّتة و يضعنا ، إمّا أنا وحدي ، أو الآخرون باستثنائي أنا و فلان ، في مرتبة دونيّة.  

قد أكون أطنبت في الحديث عن تفصيلة بسيطة ربّما لا تستدعي اهتماما كبيرا ففي أحيان كثيرة،عادة  ما ننعت شخصا ما بالتّواضع على سبيل المجاملة أو الشّكر او الامتنان ، ولكن  حين ينحصر اهتمامنا  في هذه الصّفة  و حين يتكرّر دائما و أبدا و بنفس  الطّريقة مع أشخاص نعتبرهم مهمّين و مثرين لنا ، يصبح ذلك مدعاة للقلق ، وكأنّ المتلقّي قد انسحب تماما من السّاحة و أصبح موجودا بالوكالة، وكالة المتواضعين  من كلّ مكان... ففي كلّ مرّة ينتهي فيها لقاء مع شخصيّة معروفة سواء كانت كاتبا   أو جامعيّا  أو شخصيّة سياسيّة  ، أرى من مكاني  ، الكثير من المهتمّين بالشّأن الثّقافي أو السّياسي، يجتمعون فيما بينهم ، ينظرون إلى بعضهم البعض في  ظفر، ثمّ ينطقون في نفس الوقت ، في دهشة  وانتشاء ، بتلك الكلمة السريّة : ياله من شخص متواضع .. أمّا هواجس أسئلة الوجود ، أمّا مطبّات الحوار  ،أمّا تلك المغامرة ، أمّا ما يمكن يكون قد تسرّب إلينا من أوهام أو مغالطات ، عن قصد أو غير قصد ،  فأشياء غير مهمّة  ما دام ذلك الشّخص ، تماما مثلما حدسنا منذ البداية و ياللعبقريّة ، متواضع ، متواضع جدّا .. 

السبت، 7 أبريل 2012

العاطل عن العمل

الشّغل من أجل تكديس ثروات الآخرين ، تلك هي الإهانة الكبرى

العاطل عن العمل لا يهمّه أن تتعطّل دورة الاقتصاد لأنّه خارجها أصلا ، و لأنّ تهاوي الاقتصاد بالنّسبة له ( كما بالنّسبة لي ) يعني تهاوي أصحاب رؤوس الأموال المتكرّشين الّذين لا يريدون تحمّل المسؤوليّة بل يريدون الحفاظ على نفس المقدار من الرّبح ، فلتدهب الدّورة الاقتصاديّة إلى الجحيم و ليسقط الاقتصاد و لتدمّر الرّأسماليّة .. تفيه

الأحد، 1 أبريل 2012

بورتريه 2

ـ باللّه ؟؟
هكذا سألني ذلك الرّجل الضّخم الّذي صعد للتوّ المترو المزدحم  و اتّخذ مكانه بحذوي تماما ، وقوفا ، وحين تجاهلته أصرّ على سؤاله بوعيد و حدّة :
ـ باللّه باللّهْ ( بلّاهي بلّهْ ) ؟؟؟
 لم يكن يبدو في هيئته هوس أو نزق واضحان ، سوى أنّ  نظراته  لي أنا بالذّات و لسبب أجهله مريبة قليلا..
ـ خويا سامحني ، تكلّم فيّا ؟؟
(ـ مالا في شكون ؟؟ ( بحدّة
ـ سافا تحبّ حاجة؟؟
ـ بشويّة توّة نورّيك آش تحبّ ( يفرك يديه ثمّ أصابعه و كأنّه يستعدّ لمباراة ملاكمة) ، ماكش عارف روحك شعملت ؟؟؟ (بدهشة)
ـ صلّي ع النّبي يا راجل ، شعندي عمتلك ؟
(ـ متأكّد ؟؟؟ (بدهشة أشدّ
(ـ بالطّبع متأكّد ( بتوتّر
يصمت ، يعود كي يفرك أصابعه ، لا أبرح مكاني و أنا أكابر الخوف و التّوتّر و الدّهشة من هذه الكائنات الغريبة الّتي لا تنزل من السّماء إلّا  لي أنا بالذّات و لا لأحد سواي  كما يعبّر عن  ذلك أحد الأصدقاء..
أنزل من المترو عند وصولي إلى المحطّة ، فينزل في إثري ، أتجاهله فيوقفني.. .
ـ علاش تمسّ فيّ سي زبّي ؟؟؟
..ـ خويا ثبّت روحك بلكش غالط
.ـ يزّي بلا وبنة  لا نلعج عليك
ـ خويا تكلّم في شخص محترم راك ، طبيب راني مانيش لمّاس عباد .. (لا أعرف لأيّ سبب قلت ذلك ، غباء فجئيّ ؟ نمطيّة فجئيّة ؟ خوف ؟ قلّة حيلة؟  رغبة في التّأثير المعنويّ عليه ب"سلطة" ما كي يخلي سبيلي؟ فقدان التّركيز من شدّة التّعب منذ الصباح ؟ أم  كلّ ذلك في آن واحد...
ـ طبيب و لّا نيك أمّك ، كان إنت طبيب أنا بوليس ، روّح نيّك يا خنثاوي ، روّح يا ميبون ، روّح  لا نطيّرك (يرفع يديه و هو يهمّ بلكمي) استغفر الله و كان ماجيتش نخاف ربّي إلّا ما نهدّلك ربّ فمّك يا حاوي.. روّح نيّك 

الحلّ الوحيد كان الرّكض بطبيعة الحال ، ... و لكنّ الشيء المثير للغرابة هو أنّ ذلك الرّجل ظلّ يركض خلفي طالبا جلدي حتّى اختفيت عنه داخل الحيّ .. تأكّدت حينها أنّه لم يكن يمزح بل جدّيّا تماما في هذيانه  ...   

أذكر الآن أنّه كان شخصا طويل القامة ، نظيف الهندام ، عريض المنكعين ، يتوسّط أحد أصابعه خاتم ضخم جدّا ، حادّ النّظرة،    يدير لسانه جيئة و ذهابا في حركة تذكّر في تلك الّتي يقوم بها آل  بتشينو و هو يلعب دور الشّيطان في فيلم "شريك الشّيطان".. لا يبدو مختلّا  نفسيّا واضحا ، كان  شخصا "عاديّا" تقريبا ، لا يسيل لعابه من فمه ، لا يعرج ، لا يصيح ، لا يلكن ، إلّا أنّه يفرك خصيتيه باستمرار ، ماذا كان يريد ؟ لم أعرف ، بوليس ؟ لا أظنّ ، مأجور ؟ لا أظنّ كذلك ، معتوه ؟ ممكن ، بارانوياك ؟؟ ممكن جدّا.. لكن ما الّذي بعث به إلى طريقي، لم أعرف أيضا ، كلّ ما عرفته هو أنّه ،عليّ و من الآن فصاعدا، و بجدّية ، ودون تقاعس ،أن أحمل كيسا صغيرا من الرّمل داخل جيبي

الاثنين، 13 فبراير 2012

بورتريه

رجل في السّتين أو يزيد من عمره , نحيف , متوسّط الطّول , التقوّس الطّفيف في ظهره  يجعل  كتفيه بارزين قليلا , يلبس معطفا طويلا من القماش  , يمشي بحذر بين زبائن المقهى مثل شبح , يمسح بعناية فائقة الطّاولة الّتي سيضع عليها الطّعام  لاحقا و كأنّه يداعب جسد امرأة , يأتي بصحن فيه طعام , يضعه على الطّاولة .. , يضرب بعصبيّة على الطّاولة بكلتا يديه , يكفر, يزعق, يتّجه نحوي فجأة ثمّ يعود إلى طاولته في سرعة خاطفة , يداه لا تكفّان عن  الحركة , عيناه متوتّرتان , متوجّس , لا يكاد يبدأ في الأكل حتّى  ينقطع عنه , يمشي نحوي مرّة أخرى , ينظر إليّ , يمدّ يده نحو علبة سجائري , يخرج سيجارة , يشيح بنظره إلى الطّاولة الّتي على يميني حيث يجلس بعض الزّبائن , يغمز لي , يبدأ في الحديث و كأنّه على خشبة مسرح : التوّنسي عندما يدخّن يفعل هكذا ( و يرفع يديه بحيث يرى الجميع السّيجارة الّتي في يده) , التّونسي عندما يأكل يفعل هكذا ,و يرفع صحن الطّعام إلى الأعلى حتّى يراه الجميع .. يقرّر أن يجالسني , يجالسني دون أن أمانع , يبدأ في الزّعيق  ثانية , يضرب على طاولتي بعصبيّة فائقة  , يقوم فجأة باتّجاه أحد المتسوّلين الدّاخل لتوّه إلى المقهى , يشتمه يكاد يلكمه ثمّ يطرده .. يعود لمجالستي .. أطلب منه أن يهدّئ من روعه ... يتجاهلني .. يقول إنّه يريد أن يضرم النّار في جميع التّونسيّين و إنّه يحقد عليهم و إنّهم مثل كلّ العرب ساقطون و  متحيّلون و أنذال و لئيمون و جرذان و لا يساوون فلسا على عكس "القورّة " المتخلقين و الأذكياء  ...  يشتم صاحب المقهى تحديدا لأنّه طلب منه مقابل الطّعام فيما هو يعرف  أنّه  من المحتاجين .. يخبرني أنّه يحبّ أم كلثوم أكثر من أمّه و أنّ أمّه لم تكن يوما كوكب الشّرق .. يثني على ابن خلدون في قوله "بنفاق أهل إفريقيّة" ,يعرّفني بنفسه قائلا  إنّه رجل  يفهم النّاس وفق علم الاجتماع و علم النّفس و الأعصاب و الفلسفة  و البيوكيميا و الهندسة و علم المعمار .. أبتسم و أطلب منه  أن يهدّئ من روعه وأن يستمتع يالأكل عوض أن ينشغل بما يوتّره ... ينهرني  ويصيح في وجهي بزعيق و شتيمة  طالبا منّي الصّمت و الاستماع إليه دون مقاطعته ... يقول إنّه رجل عظيم و إنّه لا يحبّ الاستماع إلّا إلى  العظماء و لذلك عليّ أن أصمت و أكتفي بالإنصات , أحاول تهدئته مرّة أخرى فيأبى , أبتسم و أهم بالخروج متمنّيا له يوما طيّبا ... يسألني عن إسمي و مسقط رأسي ... أجيبه .. يقول إنّ تسعين بالمائة من سكّان مسقط رأسي مغفّلون و متحجّرو العقول و إنّني – و لسبب أجهله – أنتمي إلى العشرة بالمائة  المتبقية  من  "الأذكياء " ... أبتسم حتّى الضحك  .. لا أنبس بحرف واحد , أغادر و أنا  أحسّ للوهلة الأولى  بالغيظ و الشّفقة , ثمّ , سريعا , بالخوف , متسائلا  عن مقدار  العبث الّذي يمكن أن تحمله الحياة كي تصنع بالنّاس ما تصنعه , هؤلاء النّاس الّذين كانوا ,جميعم , يوما ما أطفالا تماما مثلما كنت - أو ربّما  أتوهّم أنّني لا أزال - طفلا ...        

الأربعاء، 1 فبراير 2012

مجرّد تكريز


السّؤال هو الآتي : هل أنّ الأعراف و "القيم" الاجتماعيّة السّائدة تبلغ من القوّة و الرّسوخ ما يجعلها قادرة على محو الفارق - على مستوى السّلوك -  بين من هو مؤمن بها  و متماه معها و نسمّيه مجازا "العامي" و بين من يدّعي نقدها بغية تغييرها و نسمّيه مجازا  "المثقّف" ؟  يحتدّ هذا السّؤال في ذهني كلّما لاحظت ، داخل الأوساط الثّقافيّة  تحديدا ، تفاقم ذلك الشّرخ الصّارخ  بين الأفكار المدّعى تبنّيها و السلوك الفعلي و كأنّ المثقّف هو شخص "نخبويّ" الفكر "عاميّ" السّلوك  ، فالمطالبة بالعدالة الاجتماعيّة مثلا في النّصوص أو الاجتماعات  يقابله في الواقع تمجيد لصاحب رأس المال و احتقار لفاقده  ، انتقاد النّظام السّلطوي   يقابله رغبة جامحة في نفس هذه السّلطة ، الحديث عن المساواة بين الجنسين يقابله ميزوجينيا كريهة و مفاخرة بالذّكورة و المغامرات الجنسيّة و نعت النّساء المتحرّرات جنسيّا بأحقر النّعوت ، التّنديد بالعنصريّة و التّمييز يقابله تصنيف للنّاس وفق الجهات الّتي ينتمون إليها ، الدّفاع  عن الغيريّة والاختلاف يقابله نرجسيّة  و تضخّم مريب للذّات ، المناداة بالحوار و التّلاقح الفكري يقابله عنف و نزق يبلغان حدّ السّاديّة ، انتقاد النّمطيّة و القوالب الجاهزة  يقابله الحكم المسبّق ..إلخ.. ممّا يجعلك تشكّ فعلا في أنّ هؤلاء الّذين يدّعون الانتماء إلى  قيم مغايرة  لتلك السّائدة هم في الحقيقة إمّا يبحثون عن نوع من المفاخرة بهذه الأفكار "السّاحرة" و "المغرية"  و المتاجرة بها داخل "السّوق" الثّقافيّة من أجل الحصول على  سلطة معنويّة وبرستيج  وشبكة علاقات  و إمّا  "يحسدون" أصحاب النّفوذ و السّلطة و يسعون إلى  الحصول على حصّتهم داخل نفس النّظام   و بالتّالي يعيدون إنتاجه  ككرة الثّلج  ...هل هو المخيال البشري الحامل  لقيم و رؤى إنسانيّة نبيلة عاجز أمام واقع معقّد و فجّ   أم أنّ الحياة  بطبيعتها ليست سوى صراع من أجل البقاء مهما غُلّف ذلك بالثّقافة أو الفلسفة أو الاديولوجيا أو حتّى الفنّ ؟؟  أم هو شيء آخر ذلك الّذي يجعل من كلّ الّذين يقاومون هذه السكيزوفرينيا الاجتماعيّة  أوّل المعزولين و المهمّشين و الغرباء ؟؟؟؟  

الأحد، 30 أكتوبر 2011

النّهضة


آخر الفتاوي : التصدّي للنّهضة كحركة تريد الاستحواذ على البلاد جائز شرعا

أرجو أن يكفّ قيادييّو النّهضة عن هذا الصّلف و هذا الغرور عن طريق تطمين النّاس على الحريّات الفرديّة لأنّ الحريّات ليست عملا خيريّا ستتمزّى به علينا ، و إضافة إلى ذلك هذه لغة قديمة،لغة الحزب الدّولة، أرجو أن تستفيق النّهضة لأنّها ليست سوى حزب،ليست "الشّعب" وليست الدّولة

فصل الرّجل عن المرأة تجنّبا للزّنى
فصل الرّجل عن الرّجل و المرأة عن المرأة تجنّبا للشّذوذ الجنسي
فصل الإنسان عن الحيوان تجنّبا للاكزيوفيليا
أقترح الإخصاء وقطع الأعضاء الجنسيّة كحلّ نهائي و قطعي يريحنا من كلّ هذه المشاكل

الجمعة، 28 أكتوبر 2011

الشّعب

الشّعب ..الشّعب ..الشّعب ..أنا لا أفهم هذه العبارة العامّة والتضليليّة .. و لا أفهم إطلاق أحكام فرديّة على مجموعة "غامضة" و غير متجانسة أصلا نسمّيها مجازا "الشّعب" ..الشّعب شجاع ..الشّعب غبيّ ..الشّعب واع ..الشّعب جاهل ..ما هذا ؟؟؟ الشّعب يحتوي على العديد من الشّرائح والفئات والطّبقات...فيه المثقّف و فيه الانتهازي وفيه الأمّي و فيه السّياسي وفيه اللّا سياسي وفيه المسيّس و فيه اللّا مسيّس و فيه قاطع الطّريق و فيه الجائع وفيه المتخم و فيه الحداثي و فيه السّلفي وفيه الفقير و فيه الغنيّ و فيه "البسيط" وفيه "المعقّد" و فيه الحالم وفيه اليائس و فيه المخرّب و فيه الهاشمي الحامدي و فيه اللّا مبالي و فيه المتحيّل و فيه المفكّر و فيه الشّاعر وفيه المجنون و فيه المتشرّد و فيه المخرّب و فيه الطّوباوي و فيه الواقعي و فيه البين بين و فيه و فيه و فيه (القائمة تطول) ... وفيه أيضا الّذي انتخب و الّذي لم ينتخب.. لماذا الحديث عن الشّعب بمعناه الرّمزي و المجازي والفردي و أحيانا الأسطوري؟؟..

الأكثر من ذلك الانتخابات حسب رأيي لم تكن تعبيرا سياسيّا فحسب بل كانت أيضا تعبيرا عاطفيّا و نفسيّا ، فبخلاف الّذين عبّروا عن ميولاتهم و أفكارهم "السّياسيّة" ثمّة أيضا من عبّر عن جشعه و من عبّر عن خوفه ومن عبّر عن إيمانه و من عبّر عن انتقامه ومن عبّر عن نزعته التّخريبيّة ومن عبّر على أنّه مغفّل إلخ ، في أوّل محكّ "ديمقراطي" شاءت الظّروف الموضوعيّة أن يحتمل أكثر من طاقته وأكثر من حجمه ( الانتخابات) في بلاد مايزال مواطنوها يلتمسون طريقهم كلّ حسب رؤيته إلى مستقبل مختلف، أو أفضل... ليس هناك شعب.. هناك مجموعة من المواطنين يتعرّفون على ذواتهم و على بعضهم البعض وهذا في حدّ ذاته شيء إيجابيّ حسب رأيي لأنّ الانتخابات ما هي إلّا بوّابة رمزيّة نحو حراك سياسي و ثقافيّ قادم سيكون واقعيّا و عاريا من الشّوائب و الأوهام والوعود الكاذبة... فحتّى الّذين انتخبوا عاطفيّا، باستثناء المخرّبين ومن جاورهم، سيجدون أنفسهم داخل المعركة السّياسيّة و الثّقافيّة الآتية سينقلبون على من سخر منهم أو تلاعب بهم ويمسحون به الأرض سيتطوّر "وعيهم" وقدرتهم على الفعل السّياسي و على التّفكير و على الدّفاع عن حريّتهم ووجودهم، خاصّة بعدما خبروا الدّيكتاتوريّة و القمع على مدى عقود و بعدما عرفوا أنّهم قادرون على أن يثوروا...ليس هناك شعب، هناك مواطننون يتحرّكون و يتجدّدون ...

صحيح أنّ الكثير من التّقدّمييّن والحداثيّين عاشوا و لا يزالون يعيشون حالة من الهستيريا والارتباك و الخوف والغضب و ربّما اليأس إبّان فوز حركة النّهضة بأغلبيّة المقاعد في المجلس التّأسيسي، ولكنّ الدّيمقراطيّة ليست الانتخابات ، تونس ليست النّهضة ، السّياسة ليست المجلس التأسيسي ، المعركة ما تزال طويلة فلنكن متفائليين و ذوي نفس

الخميس، 12 مايو 2011

الانتخابات؟؟؟؟

أعتقد أنّه لا يجب أن ينحصر همّنا السّياسي في الانتخابات،لأنّ القوى الرّجعيّة والقوى المعادية للثّورة سوف تبقى موجودة بصيغ مختلفة حزبيّة أو غير حزبيّة حتّى وإن لم تترأس السّلطة فيما بعد وحتّى إن أخذ الدّستور الجديد مواقف قانونيّة منها  كما أنّ القوى المسمّاة ديمقراطيّة يمكن أن تتحوّل إلى دكتاتوريّات إن لم تجد مجتمعا مدنيّا حقيقيّا يتصدّى لها،لذلك علينا أن نمارس السّياسة خارج الرّقعة السّياسويّة الضيّقة وذلك عن طريق العمل الفكري والثّقافي والجمعيّاتي إلخ،فهو ضماننا الرّئيسي للحفاظ على الديمقراطيّة والحريّات الفرديّة والحداثة، مهما كانت نتيجة الانتخابات في المجلس التّأسيسي أو فيما بعد....كما أنّ رهاننا بهذا الشّكل على الانتخابات قد يكون يخفي شيئا خطيرا وهو أنّنا ما نزال نحافظ على عقليّة المنقذ أو المستيدّ العادل أو ربّما الدّولة ـ الحزب أصلا

الأحد، 17 أبريل 2011

ما من سلاح

ما منْ سلاح سوى عدمي الّذي يَقْوى على النّاسِ
ربما سوف يضعف الآن في اختصار المطلقات
،والصَّمَمِ المُعذِّب
والنّاسُ سودٌ كالثقوبِ السُّودِ لمْ ألمحْ سِواهُمْ
في مراياهم أو مراياي الخفيّهْ
يمدُّون أيديهم نحو قلبي المستعارِ
من رياحٍ قد تَهُبُّ
أسائل الحبْرَ المُنافي مثل ميْتٍ من رصاصٍ
...أو مطاط
...كم ماتَ كمْ
كم يحبُّ الحياة

الاثنين، 21 مارس 2011

النّظام الدّكتاتوري والبنية الدّكتاتوريّة

في الشّارع، في المقهى، في الميترو، في سيّارة الأجرة، هنا وهناك داخل الاعتصامات، داخل حلقات النّقاش، كنت دائما ما ألاحظ استمتاعا وتفنّنا ومزايدة في شتيمة بن علي وزمرته من النّظام البائد، شتيمة كثيرا ما تتحوّل إلى سيلان هستيري يقارب الهذيان الّذي كثيرا ما يتحوّل بدوره إلى حوارات لاغية أحيانا وعنيفة أحيانا أخرى.. وقد جعلتني هذه الظّاهرة أعيد التّساؤل  عن طبيعة علاقة المواطنين والسّياسيّين منهم خاصّة بالنّظام. وعن قدر المسافة "الوجوديّة" التّي كانت تفصلهم عنه.. لا أعرف مدى جدوى هذا التّساؤل ولكنّه يبدو لي  مهمّا.. فقد بدا لي وكأنّ النّاس كانوا وما يزالون، في نوع من الالتصاق بالنّظام، سواء الذّين كانوا في صفّه  أو ضدّه.. التصاق أشبه ب"التّحرّش" السّياسي.. ممّا جعلني أخمّن أنّه إلى جانب النّظام الدكتاتوري، ثمّة شيء آخر ربّما هو "البنية" الدّكتاتوريّة.

وهما شيئان مختلفان تماما حسب رأيي.. إذ أنّك يمكن أن تتخلّص من نظام دكتاتوريّ دون أن تتخلّص من بنيته الدكتاتوريّة ولا أقصد بالبنية الدّكتاتوريّة  "بقايا الدّكتاتوريّة" في معناها المتداول إذ أنّها هي كذلك تعني بقايا النّظام وليس البنية.. النّظام هو شيء خارجك فيما البنية هي شيء داخلك.. ولعلّ الخلاص من البنية الدّكتاتوريّة هي الأعسر والأهمّ على الإطلاق.. إذ أنّه عليك أن تجتاز الطّريق بالمقلوب، من الخارج إلى الدّاخل،  من النّظام (وبقاياه) في معناه السّياسوي الضّيّق والمحدود  إلى  نفسك في علاقتك بذاتك أوّلا  وفي نظرتك للعالم وعلاقتك بالآخرين ثانيا...

ربّما لم يكفّ نظام بن علي على أن يفرض شفرته السّياسيّة الخّاصّة به سواء على معارضيه أو مؤيّديه

تماما مثلما فعل بورقيبة قبله، أي أنّ تّغوّلهما واستبدادهما في الحكم، كوّنا نوعا من النّمطيّة السّياسيّة والثّقافيّة، نمطيّة  وقع التّفاهم ضمنيّا حول محتواها وحول شفرتها أو كاتالوقها من الطّرفين ـ الخصمين ـ  أي أنّه وقع تحديد مجال المعركة و قواعد اللّعبة بنوع من التّغريب الفاضح والكاريكاتوري.

فالبولسة المفروضة على النّشطاء السّياسيّين من المعارضة قد أفرزت نوعا من البولسة العكسيّة تجعل من بعض الأحزاب والحركات تحتكم إلى تنظّم شبه عسكري يكون فيه الهاجس الأمنيّ هو الهاجس الأساسي والالتزام إلى الأوامر العسكريّة الحزبيّة هو القاعدة الوحيدة... هي نفس اللّعبة السّياسيّة.. هناك من يملك العصا وهناك من يملك العصا أيضا.. الأولى هي البوليس كجسم.. الثّانية هي البوليس كفكرة...

كما أنّ النّظام ومعارضيه قد اكتفا كلاهما بلعبة الغمّيضة، غمّيضة دمويّة وشديدة الخطر بطبيعة الحال ولكنّها غمّيضة غبيّة.. إنّها لعبة خارجيّة.. لعبة سلطة في معناها الحيازي.. لعبة نظاميّة وليست لعبة كينونة بالمعنى الواسع للكلمة.. شفرتها دكتاتوريّة من الجانبين، من جانب الحاكم ومن جانب "المحكوم" الغاضب.  

أمّا الرّقابة  فقد أفرزت إصرارا وعنادا من الدّرجة الأولى كردّة فعل مباشرة على المنع.. أي أنّ الرّغبة في الممنوع  أصبحت ملحّة أحيانا إلى درجة نسيان كلّ ما هو "مباح" ـ أقصد المفيد منه بالطّبع ـ وكلّ ما هو غير مشفّر لدى النّظام أو  ماهو ليس في صدام مباشر مع النّظام.. فعديد المسائل الّتي من المهمّ الانشغال بها والاشتغال عليها مثل الفلسفة أو الفنّ أو البيئة أو كلّ المسائل "اللّا سياسيّة" في المعنى المباشر للكلمة، عادة ما يقع تهميشها لصالح ما يسمّى ب"المسألة السّياسيّة" في معناها الصّدامي والمباشر.. صداميّة تغذّي عمليّة استبطان العنف و الاستبداد.... كأنّه ليس هناك اشتغال على الذّات بقدر ما هناك تركيز على الآخر- العدوّء -. كأنّه ثمّة مسافة للوجود قد تقلّصت تماما.. كأنّ المعركة استحالت معركة ملكيّة، ملكيّة للقوّة والبطش ولم تعد معركة كينونة فعليّة. وكأنّ خفّة القوّة انتصرت على ثقل الوجود...

ممّا لا شكّ فيه أنّ هذا الاحتقان نفسه وهذا "العنف" نفسه هما اللّذان أسقطا الطّاغية... ولكن إلى أين الآن؟؟؟ هل يعني هذا أنّنا سوف نتحوّل إلى طغاة بالمقلوب؟؟ أم أنّه علينا فعلا تغيير "شفرة" الحياة، والانتقال إلى الضّفّة الأخرى بتفاصيل مغايرة وقيم مغايرة، الضّفّة الّتي هي خارج الدّكتاتوريّة كنظام ولكن أيضا كبنية ذهنيّة و سلوك يوميّ، الانتقال من أسئلة : من سيحكم من؟ من سينتصر على من ؟ من سيمحو من؟ من سيكون "أغلبيّا" على من؟.. إلى أسئلة : كيف يمكن أن يكون لوجودي معنى؟ كيف أستطيع أن أحقّق كياني؟؟ كيف يمكن أن أكون لا حاكما ولا محكوما بل مواطنا حرّا وكريما وصاحب سيادة على وجودي؟؟

الأربعاء، 16 مارس 2011

Je ne suis personne donc je suis


Je n'ai jamais senti que j’étais un Tunisien, un Belge, un Russe ou un Suédois. Je n'ai jamais senti que j’étais un oriental ou un occidental, que j'appartenais à ceci ou à cela. Je ne comprends jamais ce genre de débat !!! Mais je sens toujours que je suis un humain qui est l’aboutissement de plein de civilisations qui se sont chevauchées, qui ont convergé, divergé… Je m'en fous… La contradiction  fait partie de moi de toute façon et c'est elle qui me pousse à penser et à être !!!

الثلاثاء، 6 سبتمبر 2005

الأصل

لم يزلْ يتنفّسُ هذا الشّقيُّ 
قادوه مرّة أُخرى إلى الكِذْبةِ بالسّلاسلْ 
لكنّه عادَ أدراجَهُ واقفًا
يطوفُ محمومًا حوْلَ بوّابةِ الدُّنيا
سيحفرُ خندقًا كيْ يمرَّ من تَحْتِهَا نحو أسْرارِهِمْ
يُجَرِّحُ ثوبهمْ
يحرّرُ ما خَلْفَهُ منْ هواءٍ
قادُوه مرّةً أُخرَى وعادَ
يزغرد أنفاسَهُ المكتومَةَ مثل أعْراسٍ بلا أحَدٍ
ويطلقُ أجْسَادَهُ تركضُ وحْدَهَا في الغرْبةِ الواسِعهْ
ألْفَتُهُمْ من الوَرَقِ المُقوَّى قد انكمشَتْ تمامًا
ليْسَ سِوَى الواجهاتِ مملوءةً بالثّقوبِ 
و باتّساخِ يديه الصّافيتينِ
قادوه مرّةً أُولَى وعاد
لم يأته الله معتذرًا عنْ غِيَابِهِ.. حِينَ كَان يُصَدِّقُ جمرةَ صَبْرهِ
،الآن والجدرانُ آلهةٌ
تنطفئ كُلُّها الانتظارَاتُ فوق دمائِهِ البَارِدَهْ
الأيّامُ الّتي انْكشفَ عُريُها في خجلٍ تجْمعُ عُلبَةَ وقتِهَا
...كيْ تنامَ مِنْ تلقاءِ ذاتِهَا في المُهْمَلاتِ
..لم يزلْ
يحفظُ قلْعَةَ رأسِهِ جَيِّدًا
ومياهَ قلْبِهِ العذْبةَ
يعدُّ في زهوٍ أصابعَهُ الغبيّةَ
كمْ منَ الحماقات قد كتبتْ ولم تذهبْ إلى الوقْتِ الثّريِّ
لم تحملْ من القمحِ والصّلواتِ زُوَّادَهَا
بلا رعْبٍ سوف تُهْدي للدُّودِ بصْمتَها وليكنْ
راضِيًا سوْفَ يُسَلّمُ أنفاسَهُ
راضيا سوف يصافح عدَمًا واضحًا لا يغُشُّ
لكنّه الآن حيٌّ يكسّر كواليسَهمْ
:يذهبُ كي يرى في الخفايا كيفَ يصْنعُ كِبارُ المدينةِ ناسها
لا تكفي خُصيتان وجيْبٌ وربطةُ عُنْقٍ لصُنْعِ رَجُلْ
لا يكفي قِرْطٌ وشعرٌ طويلٌ ونهدان ضخمان جدًّا
لصنع فتاة
قادوه مرّة أخرى وقد فاحتْ روائحُهم إلى حيثُ قادُوه
لم يقلْ إنّه مجنون بني عجْلٍ
في كلِّ يوْمٍ يُجَنُّ في مثل هذه السّاعةِ
فالجُنون مديحٌ أخيرٌ بعدُ لم يستحقَّ رُتبتَهُ
والموتُ واحِدةٌ وقد ماتها عدّةً
.فقط.. قال من دمه القصيدةُ... جاءتْ
.فقط.. قالوا ومن دمك الذّئبان... جاعتْ
ثمّ قادوه وعاد
يعُدُّ لم يزلْ حيّا كريّاته الباقيهْ
يحفظ نبرةَ صوْتِهِ لم يزلْ
يناطحُ الغيْمَ منْ يسقُط منهما أوّلًا
رأسُهُ المُمْطِرُ أمْ غيْمةُ اُغْمى عليها
يدفّئ خطوة الشّمْسِ في ثقوب جَواربه الباردهْ
يجُرُّ في صمْت رصيف ذاكرة المعارك آدمُ
بِعلمه آدمُ
...مهزوماً انحدر
من وحشةٍ ضِلْعُهُ... يتقوّسُ فيها
..إلى وِحْشةٍ فيها... ضاقت ضُلوعُ بَنِيهِ
بعلمه آدمُ مهزوما اعترف
..حوّاءُ خانته... في حضن خنّاسٍ
..في النّار أوجاعٌ
..في الطّين وسواسٌ
لماذا والأرضُ واحدةٌ
أبناءَك قسَّمت يا نوحُ
لبني سامٍ وبني حامٍ وبني يافثْ
وإلى سودٍ وإلى حُمْر وإلى صُفْر وإلى بيض
قبْل الأوانِ زُلزِلتِ الأرضُ زلزالها يا نوحُ
أنقذت من غرق الماء أزواج الدّجاج
..ولم تنقذ من غرق الدَّمِّ أرواحَ بنيك
،وهُوَ...نائِيا جيِّدا لم يزلْ
يعشق طرُقًا لا تؤدّي إلى أصله الفاخرِ
،يصاحبُ شجرًا أو حصًى
..أو ربّما عانق شاعرًا للتّوِّ أو مبكرًا... قد عارك أصْلَهُ
..لم يزلْ
كلّما اكتشفوا عُريَهُم..قادُوه
في كلِّ مرّةٍ قادوهُ....عادَ

الثلاثاء، 7 سبتمبر 2004

غرفتان

:تخرجُ القصيدةُ من جَناحِ الشّاعرِ نحْو الغرفةِ الأُولى
،وَصَلْتِ الرّحيل بِلَيْلِ القَتِيلْ
.سَرِقْتِ جَوَاهِرَ حُزْنِي وحلّقتِ خلف النِّهايهْ
فماذا يريدُ الكلامُ؟
،نَشِقْتُ ضَبَابَ الحِكَايَهْ
.حَفِظتُ الذَّهَابَ إلى آخِرِ الكَوْنِ
..لا شيء في الأرض لا شيء في الغيم لا شيء في سُدْرةِ المنتهى
لماذا انقسامي لماذا الشّبَحْ؟
لماذا خِدَاعُ كِلَيَّ وتغريبُ هذا العطشْ؟

:يخرج الشّاعرُ من جُنْحَةِ القصيدة نحو الغرفة الأخرى
،كلّما انفتحتْ سَمَائِي
،وانتظرت زِفَافَ غَرِيبينِ في البحْرِ
.تسلّقتْ نحوي الخفافيشُ واتّضحَ النّزيفُ
،كلّما حَزمْتُ دِمَائِي
،وعَاودْتُ الاتّجاهَ إلى قِمَّةِ البُرْجِ
...تعثّرَ فِيَّ أفرادُ رُوحِي
 .وعَاوَدَنِي النّزِيفُ
فماذا يريدُ الكلامُ
وماذا يريدُ دمي
...ماذا يريدُ دَمِي.. ماذا يريدُ دمِي

الجمعة، 7 سبتمبر 2001

أثينا أو غدر المنتصف

بنو آوى ينزلون في برانيسهم نحو دهاليز قديمه
بوم المساء أتعبه نفض غبار اليتيمه
لا شيء لو كان ذاك الجنونَ
ولا شيء لو غاب ذاك الجناحُ
هذا عكّاز آخر اللّيل بين يديك وبين المفازات ارحلْ
إن قلت الصّحاري تباغت الكون في فجوة الصّمت
تعير اصفرار المكان إن قلت.. قد ماطلتك الغيومُ
وأنت بياضٌ رمادُ البياضْ
...ستنصتُ أقتمْ
هذي الصّحاري قد صارحتك وقالتْ
سوف تعشق الظمأى
حين تهاجر الواحات أعشاشها كي تحطّ على الملح اِرحلْ
صاعدا نحو العراجين تعدَّ التّشابه التّمريّ نحو النّخيل
 لا تسألْ..
عمّا يدور في خاطر القلبْ
ذا نزوح الجذور صوب الأقاصي
يدعوك أن تلحق بالأرض أعرجْ
ذا نواح العقول بين الهتاف
 يدعوك أن تنطق بالصّمت أعلى
ألا فارْحلْ
عشائر النّمل أنكرت نملها في الطّريق ولكن
صيفنا يعرف الجرح حين يشتدّ المضيق حصارا يقول المنايا
لا تحترسْ
واركض إلى الوكرِ
فبين القراطيس مكر الحمامْ
هذي مفازاتك هذي مسافاتك
اُسكبْ فُصَامَ الأحبّةِ فوقَ رأسِ الزلازلِ وارحلْ
ما عادت تفاصيلُك تأتي إليك
ما عادت تفاصيلك تقضي عليك
يرتاب غيابك جالسا فوق الأعالي
أتقنت فنّ التّكاثر مختلفا
ما حضنت التّشابه
طقسك الآن أماميٌّ
وصحراؤك صارت البحر
يمرّ هائج البوح كيف دخلت لولب الأعاصير لم تعرفْ
ولم تعرف أيّك كنتَ
ومن حطّ على الأذْن في اللّيل العتيق
بحيرةً يرقد في أحشائها الهذيان
ولم تعرف ضفافك
فكلّ الجسور دواريّةٌ
يأتيك الدّوار في منتصف الأزقّة باحثا كيف أضعت ذراعيك انْكسَرْتَ
انكسرتَ حين أردتَ الإئتلافَ
ثمّ جلستَ تدخّنُ أعقابَ صبركَ عند شبّاك صغير وتسألْ
أهذا الحميم نقيضك
أهذا النّقيض... ضلوعك
سئمت..تراقب أحياءك بين المقابر ملتبسين
وتهذي أثينا
أثيناك غابت..غابت أثينا
وتبقى البِنانُ تطارد طيْفاً
تصوّر فزّاعةً في ثنايا الطّريق وترمي السّهام
أوحدك أنت تفكّ القيود
وألغاز صدر يضيق علينا..أثينا
نحوبٌ كثكلى
وأنت يتيمٌ كغيمه
عليك الرّحيلُ..إليك الرّحيلُ
تعانق كفّيك حتّى الأُفولْ